ما معنى الآية لا تعطوا القدس للكلاب..."

 
س: ما معنى الآية "لا تعطوا القدسَ للكلاب. ولا تطرحوا دُرَركم قدام الخنازير. لئلا تدوسها بأرجلها وتلتفت فتمزقكم"

ج: تتكون هذه الآية من عدة عناصر تحتاج إلى تفسير:

أولاً: من هم الكلاب؟

ثانياً: من هم الخنازير؟

ثالثاً: ما هو القدس؟ وما هي الدرر؟

أولاً: من هم الكلاب؟

مكتوب في رسالة فيلبي "انظروا الكلاب انظروا فَعَلَة الشرّ انظروا القَطع." وهنا يشَّبه الله الإنسان الذي يعيش في الشر ويشرب الإثم كالماء بالكلب لأن حياته خالية من خوف الله، فلذلك يستهين بكلام الله. وهذا ما أكدَّه الله في سفر الرؤيا أيضاً حينما وصف الهالكين الذين هم خارج المدينة المقدسة، أورشليم السماوية بقولهِ "لأن خارجاً الكلاب والسحرة والزناة والقَتَلة وعبدةَ الأوثان وكلَّ من يحب ويصنع كذباً"

لكن يوجد نوع آخر من البشر يشبّههم الله بالكلاب أيضاً، مكتوب في سفر اشعياء "مراقبوهُ عمي كلهم. لا يعرفون. كلهم كلاب بكم لا تقدر أن تنبح. حالمون مضطجعون محبو النوم. والكلاب شرهة لا تعرف الشبع. وهم رعاة لا يعرفون الفهم. التفتوا جميعاً إلى طرقهم كل واحد إلى الربح عن أقصى. هلموا آخذ خمراً ولنشتفَّ مسكراً ويكون الغد كهذا اليوم عظيماً بل أزيد جداً" وهنا يصف الله رعاة الشعب الذين أقاموا أنفسهم لرعاية شعب الله ولم يقيمهم الله على هذا العمل "بالكلاب"، ولذلك أيضاً يصفهم الله أنهم كلاب بكم لا تقدر أن تنبح، أي ليست عندهم قوة للإنذار، فَهم يصمتون ولا يقدرون أن يحذّروا الشعب من خطر الشر وهجمات إبليس لأن هدفهم ليس هو رعاية الرعية بل رعاية أنفسهم، لذلك أيضاً هم يحبون النوم أي الراحة، وهم رعاة لا يعرفون الفهم، التفتوا جميعاً إلى طرقهم كل واحدٍ إلى الربح عن أقصى، وقد وصفهم ميخا قائلاً "رؤساؤها يقضون بالرشوة وكهنتها يعلّمون بالأجرة وأنبياؤُها يعرفون بالفضة وهم يتوكلون على الرب قائلين أليس الرب في وسطنا. لا يأتي علينا شرٌّ." وقد وصفهم حزقيال النبي بقوله "المريض لم تقوُّوهُ والمجروح لم تعصبوهُ والمكسور لم تجبروهُ والمطرود لم تستردُّوهُ والضال لم تطلبوهُ بل بشدةٍ وبعنفٍ تسلَّطتم عليهم." أي على الرعية فهم محبون للتسلط والتعالي، خالين من روح المسيح وعمل الروح القدس في التواضع وحب خدمة الآخرين.

ثانياً: من هم الخنازير؟

الخنزير مُشبَّه بالإنسان الذي يتصور نفسه أقدس من غيرهِ وهو يعيش بعيداً عن الله، والخنزير من الحيوانات النجسة في العهد القديم والتي حرّم الله أكلها على اليهود ووضح الله سبب تحريم أكل الخنزير بقوله "لأنه يشق ظلفاً ويقسمه ظلفين لكنه لا يجتر. فهو نجس لكم." وشق الظلف يرمز إلى حياة الانفصال عن العالم لكن عدم الاجترار يرمز إلى عدم التلذذ بكلمة الله خبز الحياة وعدم التفكر فيها، لذلك فالخنزير يرمز للإنسان الذي يحاول أن يعيش مجاهداً بنفسه أن ينفصل عن العالم بغير الاتحاد بالمسيح كلمة الله. فلذلك يتصور نفسه أنه أقدس من غيره وهو يعيش بعيداً عن الله، ومكتوب عنهم "شعب يغيظني بوجهي دائماً يذبح في الجنَّات ويبخِّر على الآجُرّ. يجلس في القبور ويبيت في المدافن يأكل لحم الخنزير وفي آنيتهِ مرق لحوم نجسة. يقول قف عندك. لا تدنُ مني لأني أقدس منك. هؤلاء دخان في أنفي نارٌ متقدة كل النهار." وقال أيضاً "الذين يقدسون ويطهرون أنفسهم في الجنَّات وراءَ واحد في الوسط آكلين لحم الخنزير والرجس والجرذ يفنون معاً يقول الرب."

وهنا يصف الله هذا النوع من البشر الذي يعيش في الشر، لكنه تعوَّد على عبادة باطلة صنعها هو لنفسه وليست حسب أمر الله في الكتاب المقدس، لكنها عبادة ترضي الإنسان وتجعله يعيش على هواه ويتصور نفسه أقدس من غيره فيقول للآخرين قف عندك لا تدنُ مني لأني أقدس منك.

على أي حال فالكلاب والخنازير متشابهة معاً، وقد شبه الله بعض المرائين من البشر بهما قائلاً "لأنه إذا كانوا بعدما هربوا من نجاسات العالم بمعرفة الرب والمخلص يسوع المسيح يرتبكون أيضاً فيها فينغلبون فقد صارت لهم الأواخر أشرَّ من الأوائل. لأنه كان خيراً لهم لو لم يعرفوا طريق البر من أنهم بعد ما عرفوا يرتدُّون عن الوصية المقدَّسة المُسلَّمة لهم. قد أصابهم ما في المثل الصادق كلبٌ قد عاد إلى قيئهِ وخنزيره مغتسلة إلى مراغة الحمأة."

ويقول الحكيم سليمان "كما يعود الكلب إلى قيئهِ هكذا الجاهل يُعيد حماقتهُ." وهنا نجد أن الكلاب والخنازير متشابهة في هذا النوع من الناس الذي يُمثّل التدين عندما يغتسل الإنسان خارجياً فيأتي مظهرياً إلى المسيح لكن قلبه بعيدا عن الله فسرعان ما يرتد هذا الإنسان إلى قذارته السابقة ويرفض طريق الله، ومن هؤلاء جميعاً الذين شبَّههم الله بالكلاب والخنازير، سواء أولئك الأشرار الذين لا يخافون الله ويستهينون بكلامهِ، أو أولئك الرعاة الذين يرعون أنفسهم ويتسلطون على الرعية، أو أولئك الذين أقنعوا أنفسهم بأنهم أقدَس من غيرهم وهم فرحون بعبادتهم الباطلة التي ليست بحسب وصية الله، أو أولئك الذين ارتدوا عن الوصية المقدسة المسلَّمة لهم إلى نجاسات العالم، من هؤلاء جميعاً ومن أمثالهم يحذرنا المسيح أن لا نعطي لهم القدس ولا نطرح قدامهم الدُرَر.

وهذا يأتي بنا إلى:

ثالثاً: ما هو القدس؟ وما هي الدرر؟

القدس والدرر يرمزان لشركتنا مع الله ومع ابنه يسوع المسيح كما هو مكتوب "الذي رأيناه وسمعناه نخبركم به لكي يكون لكم أيضاً شركة معنا. وأما شركتنا نحن فهي مع الآب ومع ابنه يسوع المسيح." وهذه الشركة في معرفة مشيئة الله وإتمام هذه المشيئة في حياتنا في الجهاد المقدس ضد الجسد والعالم والشيطان، هذه الشركة بكل تفاصيلها غيرمعروفة إطلاقاً عند الكلاب والخنازير السابق وصفهم لذلك يحذرنا المسيح قائلاً "لا تعطوا القدس للكلاب. ولا تطرحوا درركم قدام الخنازير." أي لا نعطي لهم شركة معنا في عمل المسيح وخدمة القدوس، ولا نجعلهم شركاء معنا في معرفة إرادة الله لحياتنا أو نستشيرهم في كيفية النمو في النعمة والقامة الروحية لأنهم لا يفهمون هذا كله بل يحتقرون كل هذه الدُرَر المقدسة فيدوسونها بأرجلهم ويلتفتوا فيمزقوننا أي يحاولون تضليلنا أو تفشيلنا. وبقدر ما نسلمهم من سلطان علينا بقدر ما يبعدونا عن طريق نعمة المسيح لنكون معهم في طريق الكبرياء والتصلُّف والارتداد، هؤلاء هم الذئاب الخاطفة كما هو مكتوب عنهم في إنجيل متى "احترزوا من الأنبياء الكَذَبة الذين يأتونكم بثياب الحُملان ولكنهم من داخل ذِئَاب خاطفة." لا تُشفق على الرعية، لكن شكراً للرب من كل القلب لأجل الراعي الصالح، الرب يسوع المسيح الذي بذل نفسه عن الخراف ويرعاها في طريق النعمة والمحبة والخلاص، شكراً وحمداً له فهو مستحق كل الإجلال والحب والتقديس والتمجيد فهو القدوس الوحيد والراعي الصالح الذي حذَّرنا بحكمتهِ ومحبتهِ قائلاً لنا "لا تعطوا القدس للكلاب. ولا تطرحوا دُرَركم قدام الخنازير. لئلا تدوسها بأرجلها وتلتفت فتمزقكم." آمين.
 

Back

رجوع الى الصفحة الرئيسية