38
غـرض الوصـايا
 

خروج 20
أصدقائي المستمعين ..
نحييكم باسم الله ، رب السلام ، الذي يريد أن يفهم الجميع طريق البر الذي أسسه ، وأن يخضعوا لهذا الطريق ، فيكون لهم سلامٌ حقيقيٌّ معه إلى الأبد. يسعدنا أن نكون معكم مرة ثانية اليوم ، لنقدم لكم حلقة أخرى من برنامجكم ‘طريق البر’.

في الحلقتين السابقتين من برنامجنا، رأينا كيف نزل الله على جبل سيناء في نار ورعود وبروق، ليعطي وصاياه العشر المقدسة لشعب إسرائيل. وفي الوصية الأولى قال الله لهم: ‘‘لايكن لك آلهةٌ أخرى أمامي.’’ وفي الثانية قال الله: ‘‘لا تصنع لك تمثالاً منحوتاً .. لأني أنا الرب إلهك.’’ وفي الثالثة قال: ‘‘لا تنطق باسم الرب إلهك باطلاً. لأن الربَّ لا يبرئُ من نطق باسمه باطلاً.’’ وفي الرابعة قال: ‘‘اذكر يوم السبت لتقدّسه.’’ وفي الخامسة قال: ‘‘أكرم أباك وأمك.’’ وفي السادسة قال: ‘‘لا تقتل’’ وفي السابعة: ‘‘لاتزن’’ وفي الثامنة: ‘‘لا تسرق.’’ وفي التاسعة: ‘‘لا تشهد على قريبك شهادة زور.’’ وفي العاشرة: ‘‘لاتشته امرأةً قريبك ولا عبده ولا أمته ولا ثوره ولا حماره ولاشيئاً مما لقريبك.’’

هذه هي الوصايا العشر، التي أعطاها الله لموسى ولشعب إسرائيل. لقد وضع الله حملاً ثقيلاً علي عاتقهم قائلاً لهم: ‘‘كل من يستطيع أن يحفظ بكل كمال ما تتطلبه الوصايا العشر، يكون مستحقاً أن يعيش معي إلى الأبد. إلا أن من حفظ كل الناموس، وإنما عثر في واحدة، فقد صار مجرماً في الكل. وسينفصل عني إلى الأبد’’

ذلك كان طريق القداسة الذي سلمه الله لشعب إسرائيل على جبل سيناء. لقد أمر الله أن يطيعوه في كل شيء! نعم، كل شيء! ولكن، هل يقدر الخطاة أن يطيعوا كل وصايا الله؟ لا؛ لا يستطيعون! إلا أن هذا هو تماماً ما تطلبه الله القدوس! ومن ثم، فهناك سؤالاً كبيراً يقف أمامنا اليوم، وهو: لماذا أعطى الله وصاياه العشر لشعب إسرائيل، بينما كان يعرف تمام المعرفة أن لا أحد سيستطيع أن يحفظهم بالتمام؟ ولماذا وضع الله مثل هذا الحمل الثقيل على نسل آدم؟

لقد رأينا مسبقاً كيف قال شعب إسرائيل: ‘‘كل ما قاله الله، فإياه نفعل.’’ إلا أن الله كان يعلم أنهم لن يستطيعوا أن يفعلوا كل ما أمر به. ولم يدرك شعب إسرائيل أنهم ينقصهم القوة لكي يتمموا إرادة الله بالكمال. إذ لم يدركوا مدى بعدهم عن الله، وعن مجده العظيم. وهذا هو بالتحديد السبب الذي من أجله أعطى الله عشر وصايا كاملة، قائلاً لهم: ‘‘احفظوهم كلهم، إن استطعتم! ولكن، من عثر ولو في واحدة، سينفصل عني إلى الأبد!’’

لقد قصد الله من خلال هذه الوصايا الثقيلة، أن يكشف لشعب إسرائيل عجزهم عن أن إرضائه. لقد كان الله يعلم أن شعب إسرائيل لن يستطيع أن يتبع كل وصاياه. ولكنهم نفسهم لم يكونوا قد أدركوا ذلك. لقد كان بنو إسرائيل متدينين، مثل هؤلاء المتدينين في يومنا هذا، هؤلاء الذين يظنون خطأً أن الله يريدنا ـ بكل بساطة ـ أن نصنع الصلاح، وفي يوم الدينونة، إن فاقت أعمالنا الصالحة أعمالنا الرديئة، سيقول لهم الله عندئذ: ‘‘تعالوا لتقيموا في حضرتي إلى الأبد!’’ إلا أن من يظنون هذا هم مخطئون في ظنهم، ولا يدركون الكتب المقدسة، ولا قداسة الله. إن الله كامل، ولا يستطيع ان يتغاضي حتى عن خطية واحدة!

وعلى سبيل التوضيح، كم خطية كانت على آدم أن يفعلها لكي يطرده الله من جنة الفردوس؟ عشرة خطايا؟ أم مئة خطية؟ ربما ألف؟ بالطبع لا، فلقد كانت خطية واحدة وحسب. خطية واحدة، هي كل ما احتاجه آدم لكي يُطرَد بالتمام من جنة الفردوس!

.. خطية واحدة، وبعدها صار آدم غير كامل أمام الله!
.. خطية واحدة، ولم يستطع بعدها أن يقترب من الله!
.. خطية واحدة، وحُكِم عليه بالموت!
.. خطية واحدة، وكان مصيره الهلاك الأبدي!

نعم، إن الله قدوس، ولا يستخف بالخطية. ولذا، قال لشعب إسرائيل: ‘‘لأن من حفظ كل الناموس، وإنما عثر في واحدة، فقد صار مجرماً في الكل.’’ (يع 10:2)
ومن ثم، فإن كانت هذه هي قداسة الله، فما نريد أن نعرفه هو: لماذا أعطى الله الوصايا العشر لشعب إسرائيل، بينما كان يعلم تمام العلم أن لا أحد كان يستطيع أن يحفظهم تماماً؟ اسمعوا لإجابة الله على هذا السؤال: ‘‘لأن باعمال الناموس كل ذي جسد لا يتبرر أمامه، لأن بالناموس معرفة الخطية.’’ (رو 20:3) إذن، ما هو الغرض من الوصايا العشر؟ هل هو ‘إزالة’ الخطية؟ لا، فقد قال الله أن الهدف من الوصايا العشر، هو ‘إدراك’ الخطية.

هل فهمت ذلك جيداً، عزيزي المستمع؟ لماذا أعطى الله الوصايا العشر المقدسة لموسى ولشعب إسرائيل؟ هل أعطاهم تلك الوصايا، حتى إذا حفظوها، يكتسبون الحق في دخول الفردوس؟ لا، هذا لا يمكن أن يكون؛ لأن الله قال: ‘‘إن فشلت في أن تحفظها كلها، فأنت مدان!’’ هل يستطيع بني آدم أن يطيعوا الله في كل ما أوصى به؟ هل يستطيع المرء ان يأخذ ماءً نقياً من وعاء به ماء ملوث؟ مستحيل!

فما إذن الغرض من الوصايا العشر؟ يقول الكتاب أن الغرض من الوصايا العشر هو كشف الخطية وإدراكها. فالله لم يعطي الوصايا كيما ينقذنا من دينونته. لقد أعطاها كيما يكشف لنا اننا خطاة مدانون، وأننا نحتاج إلى مخلص. هل هذا واضح في ذهنك، عزيزي المستمع؟

إن الوصايا العشر تشبه من إحدى النواحي، جهاز الأشعة في المستشفى. فلو أنني مريض، وأريد أن أعرف سبب مرضي؛ فربما قد يفحصني الطبيب بعمل بعض صور الأشعة لي. والآن، ما هو الغرض من صورة الأشعة؟ إن لها غرض واحد وحيد: وهو أن تكشف ما هو مريض في جسمي. وبصورة مماثلة، تشبه الوصايا العشر التي أعطاها الله لموسى، جهاز الأشعة في المستشفى. فالغرض منها هو ان تكشف لنا ما هو خطأ .. أي الخطية التي في قلبى ونفسي. والآن، كيف يمكن للوصايا العشر أن تكشف الخطية التي فيَّ؟ إنها تكشف الخطية بالطريقة الآتية: عند مقارنة سلوكي بناموس الله الكامل، فسوف أرى مدى بعدي عن الله .. في أفكارى، وفي كلامي، وفي أفعالي. وعندما أنظر إلى ناموس الله، ثم أنظر إلى نفسي، أدرك انني قد أخطأت ضد الله، وأخطأت ضد الإنسان، وأنه لا يمكنني أن أدخل إلى محضر الله الطاهر المقدس.

تماماً كما أن جهاز الأشعة يستخدم في كشف العيب الذي في داخل الجسم، كذلك فإن الوصايا العشر تفيدنا في كشف العيب الذي في القلب. وتماماً، كما أن جهاز الأشعة لا يستطيع أن يشفي المريض، كذلك لا تستطيع الوصايا العشر أن تشفي القلب المليء بالخطية. ولكي يحدث هذا، لابد وان أرجع إلى الطبيب العظيم، أي الله. فالله وحده هو الذي لديه الخطة التي يمكنها أن تخلصني من الموت والدينونة التي تنتظرني بسبب الخطية التي في داخلي.

وربما يقول قائل: ‘‘لحظة يا صديقي. إنني شخص صالح. إنني لست مثل الآخرين الذين يسرقون، ويغشون، ويزنون!’’ عزيزي، إن كان ذلك هو موقفك، فأنت لم تفهم جيداً بعد، ما هي قداسة الله. ما تحتاج ان تعرفه، هو أن في يوم الدينونة، لن يقارن الله بينك وبين جارك الخاطئ؛ بل سيقارنك بناموسه الكامل، الذي ينص على ‘‘أن من حفظ كل الناموس، وإنما عثر في واحدة، فقد صار مجرماً في الكل.’’ (يع 10:2) والله الذي يقول: ‘‘لا تزنِ’’، يقول أيضاً: ‘‘لا تكذب’’. وهكذا، فإن لم تزنِ، ولكنك كذبت كذبة واحدة، فلقد تعديت على كل الناموس (أنظر يع 11:2)، ولا يمكنك أن تدخل محضر الله في الفردوس، لأن الكتاب يقول: ‘‘ولن يدخلها شيء دنس، ولا ما يصنع رجساً وكذباً.’’ (رؤ 27:21) وما هو مؤكد، هو أننا لا نستطيع أن نرضي الله بمجهوداتنا الشخصية! وهذا هو ما تعلنه كلمة الله عندما تقول:
‘‘وقد صرنا كلنا كنجس، وكل أعمال برنا كثوب عدة (أي كثوب مهلهل قذر).’’ (أش 6:64)
وتقول أيضاً: ‘‘العالم كله تحت قصاص من الله .. ليس بارٌ ولا واحد .. الجميع زاغوا وفسدوا .. ليس من يعمل صلاحاً، ليس ولا واحد .. لأنه لا فرق، إذ أن الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله.’’ (رو 19:3 ، 10 ،12 ،22 ،23)

والآن، إن كان ذلك هو حالنا أمام من سيديننا، فكيف إذن ننجو من عقابه؟ وما الذي يجب أن نفعله لكي نخلص؟ هل نحن بلا رجاء؟ إن اتكلنا على أعمالنا ومجهوداتنا الشخصية، فليس لنا أي رجاء. شكراً لله؛ لقد وضع خطة لينقذ بني آدم من عقاب الخطية!

دعونا الآن نستمر في قراءة التوراة، في سفر الخروج، والأصحاح الثاني عشر، لنرى كيف دبر الله أمر شعب إسرائيل، ليخلصهم من اللعنة التي جلبها عليهم ناموسه المقدس. بعد ما أعطى الله وصاياه العشر المقدسة لشعب إسرائيل. يقول الكتاب:
‘‘وكان جميع الشعب يرون الرعود والبروق، وصوت البوق، والجبل يدخن. ولما رأى الشعب، إرتعدوا ووقفوا من بعيد .. أما موسى، فاقترب إلى الضباب حيث كان الله. فقال الرب لموسى: ‘هكذا تقول لبني إسرائيل: أنتم رأيتم أنني في السماء تكلمت معكم .. ولذلك، مذبحاً من تراب تصنع لي، وتذبح عليه محرقاتِك، وذبائحَ سلامتِك غنمَك وبقرَك. في كل الأماكن التي فيها أصنع لاسمي ذكراً، آتي إليك وأباركك.’’ (خر 18:20-24)

وهكذا، كتب موسى في كتاب، كل ما أمره به الله. ثم بكَّر موسى في الصباح، وبنى مذبحاً على أسفل جبل سيناء، كما أمر الله. وعندما انتهى موسى من بناء هذا المذبح، أمر بعض الشباب أن يذبحوا بعض الثيران، ويجمعوا دمها في أوانٍ، ثم يحرقوا لحمها على المذبح. ثم أخذ موسى الدم، ورشه على المذبح وعلى كتاب العهد، ثم رش الدم على الشعب وقال لهم: ‘‘هوذا دم العهد الذي قطعه الرب معكم’’. (خر 7:24).

وهكذا نرى موسى ـ بموجب أمر الرب ـ وهو يصنع مذبحاً، ويذبح بعض الحيوانات، ويرش الدم على كل جموع شعب إسرائيل. فما هو الداعي لكل ذلك؟ لقد أراد الله أن يذكِّر شعب إسرائيل بما قد علَّمه لآبائهم آدم، وقابيل، ونوح، وإبراهيم، وإسحق، ويعقوب، أنه ‘‘بدون سفك دم لا تحصل مغفرة.’’ (عب 22:9) وكل من تمنى أن يقترب لله، كان عليه ان يقترب إليه في كمال ذبيحةٍ بلا عيب.

فلماذا إذَاً، أوصى الله بتلك الذبائح الحيوانية؟ لقد أمر بها لأنه بار، ولأن ناموسه المقدس ينص على أن أجرة حتى أصغر خطية، هي الموت والدينونة الأبدية بعيداً عن الله ومجده العظيم. وبما أن شعب إسرائيل لم يقدر أن يحفظ كل الوصايا العشر، كان عليهم أن يحضروا لله ذبيحة بلا عيب، كيما تكون الضحية البريئة بديلاً عن الشخص المذنب. إلا أن هذه الذبائح الحيوانية، كما تعلمنا سابقاً، لم تستطع أن تزيل خطية الإنسان، ولكنها استطاعت فقط ان تغطيها وتسترها حتى أرسل الله الفادي القدوس إلى العالم. إذ قدم الفادي نفسه اختياراً وطواعيةً، كالذبيحة النهائية للتكفير عن الخطية.

فيا لسعادتنا اليوم أن نعرف أن المخلص قد جاء ودفع ثمن خطيتنا مرة واحدة وإلى الأبد. فهل تعرف اسمه؟ نعم، إنه ‘‘يسوع’’. فالإسم يسوع يعني: الرب يخلص. فيسوع هذا لم يكن له أبٌ أرضي. لقد جاء من السماء. ولم يرث الخطية التي وُجِدَت في كل نسل آدم. لقد أطاع يسوع بالتمام كل الوصايا العشر، وتمَّم متطلبات الله البارة. ولأنه كان بلا خطية، فكان مؤهلاً أن يعطي حياته كذبيحة، تكفر عن خطية كل من يؤمن به. وعلى أساس ذبيحة الفادي الكاملة، يستطيع الله أن يحسبك ويحسبني أبراراً، لأن الواحد الذي بلا خطية، تحمل عقاب خطيتك وخطيتي.

أعزائي المستمعين ..
بناءً على ما تعلمناه اليوم، دعونا نتذكر حقيقتين في غاية الأهمية.
أولاً: اعلم تماماً أن لا أحد يستطيع أن يخلص نفسه بحفظ الوصايا العشر! اسمعوا مرة أخرى لما يقوله الكتاب عن ذلك. يقول الكتاب:
‘‘ملعون كل من لا يثبت في كل ما هو مكتوب في كتاب الناموس، ليعمل به!’’ (غل 10:3) ، ‘‘لأن من حفظ كل الناموس، وإنما عثر في واحدة، فقد صار مجرماً في الكل.’’ (يع 10:2) فلا أحد يمكن أن يخلص بمحاولته حفظ الوصايا العشر! إن الهدف الوحيد من الوصايا هو كشف وإظهار الخطية.
والحقيقة الثانية التي ينبغي علينا أن نضعها في أذهاننا، هي أن الله وحده هو الذي لديه الخطة لتخليص الخطاة! إذ يقول الكتاب: ‘‘لأنه يوجد إله واحد ووسيط واحد بين الله والناس، الإنسان يسوع المسيح، الذي بذل نفسه فدية لأجل الجميع.’’ (1تي 5:2 ،6) حقاً، إن الله وحده هو الذي لديه الخطة لخلاص الخطاة.

وهكذا، أصدقائي المستمعين، وفي ختام حلقتنا اليوم، نترككم مع هاتين الفكرتين:
1- أن لا أحد سيخلص بمحاولته حفظ الوصايا العشر.
2- وأن الله وحده هو الذي لديه الخطة لخلاص الخطاة.

أصدقائي المستمعين ..
نشكركم على كريم إصغائكم. وليباركم الله وأنتم تتأملون فيما درسناه معاً اليوم، لأن كلمته تقول:
‘‘لأنه بأعمال الناموس كل ذي جسد لا يتبرر أمامه. لأن بالناموس معرفة الخطية.’’ (رو 20:3)

ــــــــــ
 

 

 الدرس التاسع والثلاثون | فهرس دراسات طريق البِرّ | المكتبة | الصفحة الرئيسية